الخميس، 17 ديسمبر 2009

شمس الكهولة

استند الى الحائط و هو متجه من غرفة نومه الى الصالة .. تحسس كل خطوة وهو ماسك بعصاه ...
انتهى الممر بين الغرفة و الصالون فوقف يسند ظهره الى مكتبة ضخمة و يرتاح من مشقة المشي فى هذا الممر الذى لا يزيد طوله عن بضعة امتار ...
نظر الى الصالون و إلى الشرفة و احتار بينهما لكنه قرر ان يتجه نحو الشرفة و فى الطريق وجد النتيجة السنوية معلقة على الجدار الأصفر المتشقق فأتجه كنوع من الفضول لا اكثر ..
فأن التاريخ و الوقت سقط منه منذ سنوات و اصبح كل وقت لديه هو فراغ , نظر الى النتيجة و قرب عيناه منها و فوجئ بشي عجيب جدا .. ان اليوم هو عيد ميلاده التسعين !!!
شرد برهة فى هذا التاريخ الذى يتم فيه تاسع عقد له على وجه هذه الأرض لكنه لم يحفل بهذا كثيرا ....
فأكمل مسيرته الى الشرفة ,فهو فى شوق بالغ إلى أشعة الشمس وإلى هواء الصبح بعيد عن عطن غرفته ورطوبة الجدران القديمة ..
و فى الشرفة ناوشته افكار الميلاد وما الذى حدث له ؟؟ وكيف مرت به كل تلك السنوات ,,أنه يتذكر جيدا العام الذى حصل فيه على التوجيهية وكيف انه انطلق من المدرسة الثانوية إلي بيتهم يركب الهواء لكى يفرح أمه بهذا الخبر و يبشرها بأن أكبر أبنائها حصل على البكالوريا واصبح افندي ملئ السمع والبصر ,,
وتذكر جداله الطويل مع امه حول فكرة الجامعة وكيف انها كانت مقتنعه بان يلتحق بالميري ثم يكمل نصف دينه بالزواج من بنت خاله ..
أبتسم الشيخ ذو التسعين عام وكأنه يري حياته كلها امامه مصورة فى عرض ملخص عايشه هوفى عقود وعقود تنزح إلي قرن من الدهر ,و تذكر نجاح ابن عمه الاكبر فى اقناع امه بأن يكمل تعليمه ويدخل الجامعة ,, و كيف ان سنوات الجامعة مرت عليه سريعة جدا , فحياته الجامعية كانت خالية من اى تجارب سوي الدراسة و المطالعة المستمرة و التفوق الدائم ....
وبعد اربع سنوات بالتمام والكمال تخرج فى كلية الأداب قسم اللغة الانجليزية, وتغيرت كل طموحاته واحلامه فنسي بنت خاله,, والتحق للتدريس بالجامعة , و سرعان ماحصل على منحة للحصول على شهادة الماجستير من انجلترا ,
وفى بلاد الخواجات رأى ما لم يكن يحلم به و عاش تجارب و حياه جعلت منه انسان معدل , فانكب على دراسته إلى ان حصل على الماجستير فى المسرح الانجليزي,, واكمل دراسته فى انجلترا ليحصل على الدكتوراه ,,
و فى هذه المرحلة تعرف على فتاة مختلفة عن كل فتيات بلاده , رأى وجهها الصبوح الجميل , وعقلها المتحرر المتقبل للآخر بكل صدق وعفوية , وسمع كلامها ومناقشتها للدين والفلسفة والحريات ,, فأكتم حبها فى قلبه وانتظر حتى حصل على الدكتوراه , فكلمها عن مشاعره و حكى لها عن وطنه وعن المستقبل المشرق الذى ينتظره هناك,,
و كيف انه لا يرى هذا المستقبل بدونها ,, فكان زواجهما, وقضا حياتهما كلها فى مصر وعمل أستاذ فى الجامعة وأنجب منها ولدان و بنت و قاما الأبوان بتربية الأولاد تربية صحية سليمة , وكبر الأبناء وتخرجوا فى جامعاتهم الواحد تلو الآخر ثم ماتت امهم رفيقة درب الأب ,, فحزن عليها أشد الحزن و كتم حزنه عليها فى قلبه كما كتم حبه لها اول الامر ..
و تفانى أكثر فى عمله و فى التدريس والترجمة والعمل الاكاديمي , وجأ عريس إلى أبنته فتزوجت منه ورحلت معه إلى بلاد النفط من أجل لقمة العيش , وسافر اكبر ابنائه ليكمل سيرة ابوه , فذهب إلي المانيا ليكمل دراساته فى الهندسة...
وفى تلك الفترة ازداد عمله وغرق فى التدريس والعمل الجامعى , حتى ان بيته اصبح ملحق للجامعة و ملجأ للطلاب وأصحاب الدراسات العليا ,و اتخد المنزل شكل الصالون الأدبي او العلمى , او مركز للندوات ,,
وفى هذه الفترة هاجر اصغر ابنائه والوحيد المتبقى له إلى كندا , ليعيش هناك و يعمل و يتزوج من كندية ويصبح مواطن كندى ,, وبعدها بسنوات وصل إلى مرحلة جديدة و هى المعاش القاتل المهلك , فأبدل الجامعة بالنادى ,وظل فى النادى مواظب عليه خمسة عشر عام ورأى رفقاء النادى يتساتقطون الواحد تلو الآخر فى مصيدة الموت ....
ثم وهن العظم وقلت الحركة , فأبدل النادى بالتلفزيون ونشرات الأخبار والجرائد , ومرت السنون وضغف البصر , فنسي التلفزيون والجرائد وأستغنى عن كل شئ ,, إلأ هذا الترانزيستور الصغير الذى يسمع فيه اغانى عالمه البعيد السحري وأذاعة القرآن الكريم....
إلى أن ضعف السمع كذلك وقل التركيز فابدل كل شئ بأشعة الشمس , فكل شئ ذهب ولا يظنه عائد اليه إلا تلك الاشعة الصفراء الطاهرة فأنها لم تخلف موعدها يوما ,فأصبحت كل الدنيا له شعاع وحرارة من الشمس ....
تذكر الشيخ كل هذه الحياه المليئة ثم نظر إلى حاله ووحدته , وكيف ان الكل تخلى عنه.. حتى زوجته التى طالما بكى فى كنفها ,رحلت عنه وتركته يعانى وحده ,فالكل بعيد عنه ,,تركوه وحيدا ...
لكنه لم يكترث, فلم يغضب منهم ولم يسخط,, و كان كل مالديه هو شوق لاولاده وطلابه والجامعة ورفقاء النادى ....
نظر إلى صديقه الأوحد لكنه لم يستطع ان يواجهها فصرف عنها وجهه,, وفرد ذراعه لكى يغمره الدفئ , وداعب أشعة الشمس بكوبه الزجاجى ....
ثم أفرض ظهره وأغمض عينه وقال لشمسه مودعها فى الغروب : أنا فى أنتظارك غدا,, إياك أن تذهبي بغير رجعة..........


كريـم الـراوى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق